
العراق 2050 … خفض الاعتماد على النفط وتوسيع القطاع الخاص ودعم الشباب
اقتصاد
تعد رؤية العراق “٢٠٥٠ ” التي اطلقها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني هي الخطة الأولى من نوعها منذ عام ١٩٥٨ لإعادة الروح الى الاقتصاد العراقي وجعله متعدد المصادر ، عبر خفض الاعتماد على إيرادات النفط وتوسيع نشاطات القطاع الخاص ليكون شريكا رئيسيا للدولة في تحقيق التنمية الاقتصادية وحل المشاكل والأزمات .
وجاء اطلاق هذه المبادرة بعد دراسة مستفيضة قامت بها الحكومة العراقية توصلت الى ان استمرار الاقتصاد العراقي بشكله الريعي الحالي المعتمد على النفط بنسبة ٩٠٪ ، سيمثل مخاطر كبيرة على وضع البلاد في النواحي الاقتصادية والاجتماعية وجعله هشا في مواجهة تقلبات أسعار النفط العالمية مما يعني عرقلة جهود التنمية وتكرار الازمات المالية.
مجتمع حيوي واقتصاد متنوع
وتقوم الرؤية التي اطلقها السوداني على تأسيس مجتمع منتج يمتلك حيوية واقتصاد تنموي سيادي متنوع ومستدام وحكومة ذكية رشيدة وتموضع إقليمي ودولي متوازن، وجعل الشباب كمحور وهدف بالاعتماد على هيئات متابعة رقمية وآليات تمويل طويلة الأمد بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعاون الدولي الفعّال.
ومنذ مطلع العام الحالي شكلت الحكومة العراقية فريقا برئاسة وزارة التخطيط وهيئة المستشارين، والجهات ذات العلاقة للعمل مع معهد ماكنزي لتطوير رؤية شاملة تستمر لعام ٢٠٥٠ تشمل تطوير جميع قطاعات الاقتصاد العراقي وإعطاء دور اكبر للشباب في عملية التنمية المستدامة والانتقال الى الاقتصاد المتنوع القائم على أسس اقتصادية حقيقية تعتمد تطوير الإنتاج الزراعي والصناعي وتفعيل القطاع السياحي واحداث تحولات كبرى قي القطاع المالي تكون مكملة لما حققته الحكومة من تحولات منذ نهاية عام ٢٠٢٢.
وتضمنت ابرز نقاشات الفريق ، اقتراح برامج وحلول لكيفية خلق اقتصاد عراقي متنوع تكون مشابهة للعديد من التجارب الاقتصادية الناجحة مع الاخذ بنظر الاعتبار خصوصية الوضع العراقية ، ومناقشة سلسة دراسات تتعلق بكيفية هيكلة الاقتصاد العراقي الذي ظل يعاني منذ ثمانيات القرن الماضي من مشاكل متوارثة واختلال كبير في الميزان التجاري ، فضلا عن دراسة زيادة مساهمة القطاع الخاص وتحقيق النمو المستدام وتوظيف أولويات خطة التنمية.
رؤية واقعية
وبحسب متخصصين في الاقتصاد فإن ما يميز هذه الرؤية عن مبادرات سابقة هو اطلاقها مع وجود مشاريع تنفيذية واضحة وعقود مع شركات استشارية عالمية في قطاعات النفط والصناعة والمال والزراعة والموارد المائية، إلى جانب إطلاق مشاريع ضخمة كطريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو بأوروبا مروراً بتركيا.
ويعد مشروع طريق التنمية الذي اطلق في مايو/ أيار ٢٠٢٣ من المشاريع الضخمة في تاريخ العراق الحديث ويعد بمثابة رؤية اقتصادية جديدة تسعى لوضع العراق في قلب حركة التجارة العالمية، وتحويله من اقتصاد ريعي هش إلى مركز عبور حيوي يربط الشرق بالغرب.
ويتضمن المشروع شبكة من الطرق البرية السريعة وسككاً حديدية تقلص زمن الشحن من 33 إلى 15 يوماً، بكلفة تقدر بحوالي 17 مليار دولار، منها 10.5 مليار مخصصة لسكك الحديد و6.5 مليار للطرق البرية. ويتوقع أن يدر 4 مليارات سنوياً.
نجاحات محفزة
ولم تأتي الثقة باطلاق المبادرة من الفراغ ، فهناك عدة نجاحات حققتها الحكومة العراقية في قطاعات اقتصادية مختلفة ، اهما جعل ٥٤ مصنعا محليا تقوم بتصدير منتجاتها الى الخارج لأول مرة منذ عدة عقود، كما ارتفعت الصادرات غير النفطية خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٥ الى مليار و٩٠٠ مليون دولار بعد ان كانت في الفترة نفسها من عام ٢٠٢٤ ، لا تتجاوز المليار و٢٠٠ مليون دولار.
ريادة الشباب
وجاءت رؤية ٢٠٢٥٠ بخصوص الشباب لتكمل ما تقوم به الحكومة العراقية من خلال برنامج ريادة لشمول شريحة واسعة من الشباب العراقي بالتدريب المهني والحصول على قروض لفتح مشاريعهم الخاصة ، حيث تم اقراض ١٥ الف شاب عراقي وتم تدريب نحو ٥٠ الف اخرين وسجل في المبادرة اكثر من نصف مليون شاب .
وتعد هذه المبادرة التي اعلن عنها منذ عامين هي اكثر مبادرة جدية لتحفيز الشباب على العمل في القطاع الخاص وتخفيف العبء عن القطاع الحكومي وإيجاد بيئة لخلق اقتصاد عراقي حر قائم على المنافسة الاقتصادية.
خفض الأعباء الاقتصادية
ونجحت الحكومة العراقية منذ تشكيلها في عقد سلسة من الاتفاقيات الاستراتيجية لتطوير قطاع النفط العراقي كان اخرها مع شركة توتال وشركائها لتطوير سلسة من الحقول الجنوبية وتزويد الحقول النفطية بنحو ٥ ملايين لتر من مياه البحر سيتم تصفيتها وتحليتها بدلا عن الاعتماد على مياه الأنهار والابار والذي ستقوم شركة هيونداي ببناء محطة لمعالجة هذه المياه.
وانخفض استيراد العراق من المشتقات النفطية من ١٦ مليون لتر من البنزين و٧ ملايين لتر من الغاز والنفط الأبيض الى ٦ ملايين لتر يوميا من البنزين واغلاق ملف استيراد الغاز والنفط الأبيض لتحقق المصافي العراقية قفزة نوعية في مجال انتاج المشتقات النفطية بعد افتتاح مصفى كربلاء وإعادة العمل الى اغلب الوحدات الإنتاجية في مصفى بيجي وتطوير مصفى الدولة لتنخفض بشكل كبير الفاتورة السنوية المعدة لاستيراد المشتقات والتي كانت تبلغ ٤ مليارات و٥٠٠ مليون دولار سنويا .
٢٠٥٠ استمرار النجاحات
ويرى باحثون في الشأن الاقتصادي ان هذه الرؤية العراقية ستكون مهمة في إيجاد موطئ قدم اقتصادي وسياسي للعراق في منطقة الشرق الأوسط والعالم في ظل تنافس كبير على الموارد والتنمية بين اغلب دول العالم ، كما يعدونها استمرار للتطورات التي شهدها العراق منذ نهاية ٢٠٢٢ في مختلف مجالات الحياة والتي اعادت البلاد من الجديد الى الواجهة الدولية، لكن بشكل جديد يختلف عن تاريخه في العقود السابقة ، حيث كانت التنمية وبصمات الاعمار وما تحقق منها في قطاعات الطرق والإسكان والسياحة والصحة والامن واضحة للمجتمع الدولي ومؤثرة بشكل إيجابي في حياة اغلب العراقيين وابعدته بشكل نهائي عن تصدر أي عناوين للعنف او الإرهاب كما كان طوال عدة عقود.